خلال نهار رمضان، قد يلاحظ الكثير من الصائمين إحساسا غير متوقع بالبرودة، حتى في الأوقات التي يكون فيها الطقس دافئا أو مائلا للحرارة· وهنا يتبادر سؤال شائع: لماذا يشعر الصائم بالبرد؟
الإجابة لا ترتبط بالطقس فقط، بل بما يحدث داخل الجسم من تغيرات فسيولوجية مرتبطة بالطاقة والحرارة·
فجسم الإنسان يعمل بشكل دائم على الحفاظ على درجة حرارة مستقرة تقارب 36·1 إلى 37·2 درجة مئوية، لأن العمليات الحيوية والإنزيمات داخل الجسم لا تعمل بكفاءة إلا ضمن هذا المجال المحدود من الحرارة· ولتحقيق هذا التوازن، يعتمد الجسم على نظام دقيق يوازن بين الحرارة التي ينتجها من عمليات الأيض والطاقة وبين الحرارة التي يفقدها نتيجة العوامل المحيطة مثل الهواء ودرجة الحرارة الخارجية·
وعندما يقل مصدر الطاقة خلال ساعات الصيام، تنخفض كمية الحرارة التي ينتجها الجسم قليلًا، مما قد يجعل الصائم يشعر ببرودة خفيفة، حتى وإن كان الجو حوله غير بارد·
لماذا يشعر الصائم بالبرد؟

يتساءل كثير من الناس: لماذا يشعر الصائم بالبرد؟ والسبب يعود إلى الطريقة الذكية التي يتعامل بها الجسم مع الطاقة خلال ساعات الصيام· فعندما ينقطع الطعام لفترة طويلة، يبدأ الجسم تلقائيا في تفعيل ما يشبه وضع توفير الطاقة للحفاظ على موارده الحيوية·
في هذه الحالة ينخفض معدل الأيض قليلا، وهو العملية المسؤولة عن إنتاج الطاقة والحرارة داخل الجسم، كما قد يتراجع مستوى السكر في الدم بشكل طفيف، فيتجه الجسم إلى توزيع الطاقة بحذر أكبر، مفضلًا توجيهها إلى الأعضاء الأساسية مثل الدماغ والقلب·
ونتيجة لذلك يقل تدفق الدم إلى الأطراف مثل اليدين والقدمين، وهو ما يجعل الصائم يشعر ببرودة أو إحساس بالبرد أكثر من الشخص الذي تناول طعامه، ويمكن تشبيه ما يحدث داخل الجسم بهاتف ذكي ينتقل إلى وضع توفير الطاقة؛ حيث يقلل استهلاك الموارد ليحافظ على طاقته لأطول فترة ممكنة·
يمكنك الاطلاع على:- نصائح غذائية للصائم في رمضان: كيف تحافظ على صحتك ونشاطك طوال اليوم
على ماذا يدل الشعور بالبرد الشديد؟
قد يكون الإحساس بالبرودة الشديدة أحيانًا مؤشرا يستحق الانتباه، إذ يمكن أن يرتبط بعدة عوامل صحية أو حياتية مختلفة ففي بعض الحالات، يكون الشعور المبالغ فيه بالبرد علامة على مشكلات صحية مثل الإصابة بالإنفلونزا، أو اضطرابات الغدة الدرقية، أو داء السكري من النوع الثاني، حيث تؤثر هذه الحالات في طريقة تنظيم الجسم للطاقة ودرجة حرارته·
وفي المقابل، لا يكون السبب دائمًا مرضيا، فهناك عوامل أخرى قد تزيد من الإحساس بالبرد، مثل عدم توازن النظام الغذائي أو نقص بعض العناصر والفيتامينات المهمة في الجسم، كما يمكن أن يلعب التوتر والقلق دورا في تغيير استجابة الجسم للحرارة، إضافة إلى أن بعض الأدوية قد تسبب الشعور بالبرودة كأحد آثارها الجانبية· كذلك قد يختلف الإحساس بالبرد من شخص لآخر تبعا لعوامل مثل طبيعة الجسم أو الجنس·
هل الإحساس بالبرد يؤثر في مستوى السكر في الدم؟
قد يظن البعض أن الشعور بالبرد يؤدي إلى ارتفاع مستوى السكر في الدم، لكن الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك، فعند التعرض لدرجات حرارة منخفضة، قد تتباطأ في البداية عملية امتصاص الأنسولين في الجسم، مما يؤخر تأثيره لفترة قصيرة، لكن مع عودة الجسم إلى الدفء، يمكن أن يمتص الأنسولين بسرعة أكبر، وهو ما قد يزيد احتمالية انخفاض مستوى السكر في الدم·
إضافة إلى ذلك، يبذل الجسم مجهودًا أكبر للحفاظ على حرارته الطبيعية في الأجواء الباردة فعمليات مثل الارتعاش تعد وسيلة طبيعية لتوليد الحرارة، لكنها في الوقت نفسه تستهلك قدرًا أكبر من الطاقة، هذا الاستهلاك الإضافي للطاقة قد يؤدي بدوره إلى تراجع مستوى السكر في الدم، خاصة إذا لم يحصل الجسم على مصدر كافٍ من الغذاء·
هل من الطبيعي الشعور بالارتعاش أثناء الصيام؟
قد يتساءل البعض أثناء ساعات الصيام: لماذا يشعر الصائم بالبرد؟ ولماذا يصاحبه أحيانا شعور بالارتعاش أو الرجفة· في الواقع، قد يكون هذا الإحساس أحد الإشارات التي يرسلها الجسم للتنبيه إلى انخفاض مستوى السكر في الدم·
فعادة ما يمتلك الجسم نظامًا تحذيريًا مبكرًا يساعد الشخص على ملاحظة أي تراجع في مستوى الجلوكوز قبل أن يصل إلى مرحلة خطيرة، وغالبا ما تبدأ هذه الأعراض في الظهور عندما ينخفض مستوى السكر في الدم إلى أقل من 4 مليمول لكل لتر·
ومن أبرز العلامات التي قد تظهر في هذه الحالة: الشعور بالجوع المفاجئ، والرجفة أو الارتعاش الخفيف، إضافة إلى التعرق، وتعد هذه الإشارات وسيلة طبيعية يستخدمها الجسم لتنبيه الإنسان إلى حاجته للطاقة، خاصة بعد ساعات طويلة من الامتناع عن الطعام خلال الصيام·
شاهد هذا أيضاً:- كيف تخسر وزنك في رمضان؟ أفضل نصائح غذائية لعادات صحية أثناء الصيام
ما الفيتامينات التي قد يسبب نقصها الشعور بالبرد؟
إذا كنت تشعر بالبرد أكثر من المعتاد، فقد لا يكون الطقس هو السبب الوحيد، ففي كثير من الأحيان يرتبط الإحساس المستمر بالبرودة بنقص بعض الفيتامينات والمعادن الأساسية التي يعتمد عليها الجسم لإنتاج الطاقة وتنظيم درجة حرارته·
فعندما تنخفض مستويات هذه العناصر الغذائية، قد يتأثر إنتاج خلايا الدم الحمراء أو كفاءة عملية الأيض، وهو ما ينعكس على الدورة الدموية وقدرة الجسم على توليد الحرارة، ونتيجة لذلك قد يلاحظ الشخص برودة واضحة في اليدين والقدمين، إضافة إلى الشعور بالتعب أو الضعف العام·
ومن أبرز العناصر التي قد يؤدي نقصها إلى هذا الإحساس:
فيتامين D: يرتبط بدعم الدورة الدموية ووظائف الغدة الدرقية، وهي من العوامل المهمة في تنظيم حرارة الجسم، لذلك قد يؤدي انخفاضه إلى الشعور ببرودة خاصة في الأطراف·
فيتامين B12: يلعب دورا مهما في تكوين خلايا الدم الحمراء وعند انخفاض مستواه قد يحدث فقر دم، مما يقلل كمية الأكسجين التي تصل إلى الأنسجة، فيشعر الشخص بالبرد والإرهاق·
الحديد: يعد من العناصر الأساسية لنقل الأكسجين في الدم، ونقصه قد يؤدي إلى الإصابة بالأنيميا، وهي حالة ترتبط غالبًا ببرودة الأطراف والشعور المستمر بالإجهاد·
حمض الفوليك (فيتامين B9): يساهم في تكوين خلايا الدم الحمراء مثل فيتامين B12، لذلك فإن نقصه قد يزيد حساسية الجسم للبرد نتيجة ضعف وصول الأكسجين إلى الخلايا·
الزنك: يدعم عمليات الأيض ويساعد الجسم على تنظيم درجة حرارته· وعند انخفاض مستواه قد تقل قدرة الجسم على الحفاظ على الدفء·
النحاس: رغم الحاجة إليه بكميات صغيرة، إلا أن نقصه قد يؤثر في إنتاج خلايا الدم ويسهم في انخفاض حرارة الجسم وضعف تحمل البرودة·








